صديق الحسيني القنوجي البخاري

82

فتح البيان في مقاصد القرآن

وأن إذهاب غيظ القلوب إشارة إلى وقوع الفتح ، وقد وقعت للمؤمنين وللّه الحمد هذه الأمور كلها . عن عكرمة قال : نزلت هذه الآية في خزاعة ، وعن مجاهد والسدي وقتادة نحوه ، وقد ساق القصة ابن إسحاق في سيرته وأورد فيها النظم الذي أرسلته خزاعة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم أوله . يا رب إني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الأتلدا وأخرج القصة البيهقي في الدلائل ثم قال : وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وهو ابتداء كلام مستأنف يتضمن الإخبار بما سيكون ، وهو أن بعض الكافرين يتوب عن كفره كما وقع من بعض أهل مكة يوم الفتح فإنهم أسلموا وحسن إسلامهم كأبي سفيان وعكرمة وسهيل بن عمرو ، فهؤلاء كانوا أئمة الكفر ثم منّ اللّه عليهم بالإسلام يوم فتح مكة . فإن قيل كيف تقع التوبة جزاء للمقاتلة ؟ أجيب بأن القتال قد يكون سببا لها إذا كانت من جهة الكفار ، وأما إذا كانت من جهة المسلمين فوجهه أن النصر والظفر من جهة اللّه يكون سببا لخلوص النية والتوبة عن الذنوب . وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 16 إلى 17 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 16 ) ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ( 17 ) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا أم هذه هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة والاستفهام للتوبيخ وحرف الإضراب للدلالة على الانتقال من كلام إلى آخر ، والمعنى كيف يقع الحسبان منكم بأن تتركوا على ما أنتم عليه . وقوله أن تتركوا في موضع مفعولي الحسبان عند سيبويه ، وقال المبرد : إنه حذف الثاني والتقدير أم حسبتم أن تتركوا من غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن والمنافق الظهور الذي يستحق به الثواب والعقاب يعني : بدون تكليفكم بالقتال الذي سئمتموه . وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ الواو حالية ولما للنفي مع التوقع ، والمراد من نفي العلم نفي المعلوم بالطريق البرهاني إذ لو شم رائحة الوجود لعلم قطعا فلما لم يعلم لزم عدمه قطعا ، والمعنى كيف تحسبون إنكم تتركون ولما يتبين المخلص منكم في جهاده من غير المخلص ، و ( ما ) في ( لما ) من التوقع منبه على أن ذلك سيكون وفائدة التعبير عما ذكر من عدم التبين بعدم علم اللّه تعالى أن المقصود هو التبين من حيث كونه متعلقا للعلم ومدارا للثواب وعدم التعرض لحال المقصرين لما أن ذلك بمعزل من الاندراج تحت إرادة أكرم الأكرمين .